الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

203

تفسير روح البيان

براي منفعت شما اللَّيْلَ شب تيره را لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولتستريحوا فان الليل لكونه باردا رطبا تضعف فيه القوى المحركة ولكونه مظلما يؤدى إلى سكون الحواس فتستريح النفس والقوى والحواس بقلة اشغالها وأعمالها كما قال ابن هيصم جعل الليل مناسبا للسكون من الحركة لان الحركة على وجهين حركة طبع من الحرارة وحركة اختيار من الخطرات المتتابعة بسبب الحواس فخلق الليل مظلما لتنسد الحواس وباردا لتسكن الحركة ولذا قيل للبرد القر لأجل أن البرد يقتضى السكون والحر الحركة وَالنَّهارَ مُبْصِراً اى مبصرا فيه أو به يعنى يبصر به المبصرون الأشياء ولكونه حارا يقوى الحركات في اكتساب المعاش فاسناد الابصار إلى النهار مجاز فيه مبالغة ولقصد المبالغة عدل به عن التعليل إلى الحال بان قال مبصرا دون لتبصروا فيه أو به يعنى أن نفس النهار لما جعل مبصرا فهم أن النهار لكمال سببيته للابصار وكثرة آثار القوة الباصرة فيه جعل كأنه هو المبصر فان قيل فلم لم يسلك هناك سبيل المبالغة قلنا لأن نعمة النهار لشبهها بالحياة أتم وأولى من نعمة الليل التي تشبه الموت فكانت أحق بالمبالغة إذا المقام مقام الامتنان ولأن الليل يوصف بالسكون لسكون هوائه وصفا مجازيا متعارفا فسلوك سبيل المبالغة فيه يوقع الاشتباه كما أشير اليه في الكشاف ثم إذا حملت الآية على الاحتباك وقيل المراد جعل لكم الليل مظلما لتسكنوا فيه والنهار مبصرا لتنتشروا فيه ولتبتغوا من فضل اللّه فحذف من الأول بقرينة الثاني ومن الثاني بقرينة الأول لم يحتج إلى ما ذكر كذا أفاده سعدى المفتى قال بعضهم جعل الليل لتسكنوا فيه إلى روح المناجاة والنهار مبصرا لتبصروا فيه بوادي القدرة وفيه إشارة إلى ليل البشرية ليسكن أهل الرياضات والمجاهدات فيه إلى استرواح القلوب ساعة فساعة لئلا يمل من مداومة لذكر والتعبد وحمل أعباء الأمانة وإلى نهار الروحانية لجعله مظهرا للجد والاجتهاد في الطلب والتصبر على التعب وسكون الناس في الليل على اقسام أهل الغفلة يسكنون إلى استراحة النفوس والأبدان وأهل الشهوة يسكنون إلى أمثالهم إلى من الرجال والنسوان وأهل الطاعة يسكنون إلى حلاوة أعمالهم وبسطهم واستقلالهم وأهل المحبة يسكنون إلى أنين النفوس وحنين القلوب وضراعة الاسرار واشتعال الأرواح بنار الشوق وهم يعدمون القرار في ليلهم ونهارهم أولئك أصحاب الاشتياق ابدا في الاحتراق هر كه از درد خدا آگاه شد * ذكر وفكرش دائما اللّه شد إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عظيم عَلَى النَّاسِ بخلق الليل والنهار لا يوازيه فضل ولا يدانيه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ تكرير الناس لتنصيص تخصيص الكفران بهم بايقاعه على صريح اسمهم الظاهر الموضوع موضع الضمير الدال على أن ذلك كان شأن الإنسان وخاصته في الغالب اى لا يشكرون فضل اللّه وإحسانه لجهلهم بالمنعم وإغفالهم مواضع النعم اى رفعة شأنها وعلو قدرها وإذا فقدوا شيأ منها يعرفون قدرها مثل ان يتفق لبعض والعياذ باللّه أن يحبسه بعض الظلمة في بئر عميق مظلم مدة مديدة فإنه حينئذ يعرف قدر نعمة الهولء الصافي وقدر نعمة الضوء